عبد الله الأنصاري الهروي

250

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : ولا يقطع عليك طريقا ، احترز من الإيثار الذي يجوز فعله في الدّين من غير أن يؤدّي إلى تشتّت خاطر في طريقك ، مثل أن تؤثر بقوتك حتّى تضعف عن وردك ، أو يتفرّق خاطرك في طلب القوت ، فتشتغل عن طريقك ، فهذا ممّا يقطع عليك الطّريق ، فلا يجوز لك فعله . قوله : ولا يفسد عليك وقتا ، أي يكون الإيثار سببا لفساد وقتك ، مثل أن تكون مجموع الخاطر لكون قوتك حلالا فآثرت به الغير فعدت أنت تطلب القوت من الحلال فتعذّر عليك أو صعب فانفسد عليك الوقت بالتّفرقة ، وكذلك كلّ شيء يفرّق خاطرك بعد ما كان مجموعا ، فإنّ هذا الإيثار المؤدّي إلى هذا لا ينبغي أن يفعل ، ومن أجل هذا ترى الصوفيّة يقتسمون القوت ، / ويجعل لكلّ واحد منهم نصيب ، فمن شاء قدّم الغداء ، ومن شاء أخّره إن كان صائما ، حتّى يجتمع خاطر الصوفيّ ولا يتفرّق في طلب القوت ، وينحفظ عليهم الوقت في التوجّه والاشتغال بالمهمّ . ويستطاع هذا بثلاث أشياء : بتعظيم الحقوق ، ومقت الشحّ ، والرّغبة في مكارم الأخلاق . ( 1 ) قوله : بتعظيم الحقوق ، يعني أنّ من عظمت الحقوق عنده قام بواجبها ، وعظّم أمرها ، واستهول إضاعتها ، والتّفريط في أدائها ، فحمله ذلك على الإيثار . قوله : ومقت الشحّ ، يعني أنّ الشحّ وهو البخل ، إذا مقته العبد التزم الإيثار ، فإنّه يرى أنّه إن لم يؤثر وقع في الشحّ الذي هو يبغضه ، فلا يرى للخلاص ممّا يكره إلّا بالإيثار . قوله : والرّغبة في مكارم الأخلاق ، يعني أنّ كلّ من كان محبّا في مكارم الأخلاق ، فإنّه يؤثر على نفسه ، لأنّ الإيثار من أحسن مكارم